الذهبي

154

سير أعلام النبلاء

بالقدر يكتب حديثه ؟ قال : نعم ، قد كان قتادة ، وهشام الدستوائي ، وسعيد بن أبي عروبة ، وعبد الوارث - وذكر جماعة - يقولون بالقدر ، وهم ثقات ، يكتب حديثهم ما لم يدعوا إلى شئ . قلت : هذه مسألة كبيرة ، وهي : القدري والمعتزلي والجهمي والرافضي ، إذا علم صدقه في الحديث وتقواه ، ولم يكن داعيا إلى بدعته ، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته ، والعمل بحديثه ، وترددوا في الداعية ، هل يؤخذ عنه ؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه ، وهجرانه ، وقال بعضهم : إذا علمنا صدقه ، وكان داعية ، ووجدنا عنده سنة تفرد بها ، فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة ؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الاسلام ، ولم تبح دمه ، فإن قبول ما رواه سائغ . وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي ، والذي اتضح لي منها أن من دخل في بدعة ، ولم يعد من رؤوسها ، ولا أمعن فيها ، يقبل حديثه كما مثل الحافظ أبو زكريا بأولئك المذكورين ، وحديثهم في كتب الاسلام لصدقهم وحفظهم ( 1 ) .

--> ( 1 ) جاء في " تاريخ الثقات " لابن حبان ، في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ما نصه : ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ، ولم يكن يدعو إليها ، أن الاحتجاج بأخباره جائز ، فإذا دعا إلى بدعته ، سقط الاحتجاج بأخباره . وقال أيضا في " صحيحه : 120 : " وأما المنتحلون المذاهب من الرواة مثل الارجاء والترفض وما أشبههما ، فإنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات ، على الشرط الذي وصفناه ، ونكل مذهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله - جل وعلا - إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا ، فإن الداعي إلى مذهبه ، والذاب عنه حتى يصير إماما فيه - وإن كان ثقة - ثم روينا عنه ، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقا ، وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله . فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم ، والاحتجاج بالثقات الرواة منهم ، على حسب ما وصفنا . ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش ، وأبي إسحاق ، وعبد الملك بن عمير ، وأضرابهم ، لما انتحلوا ، وإلى قتادة ، وسعيد بن أبي عروبة ، وابن أبي ذئب ، وأشباههم ، لما تقلدوا ، وإلى عمر بن ذر ، وإبراهيم التيمي ، ومسعر بن كدام ، وأقرانهم ، لما اختاروا ، فتركنا حديثهم لمذاهبهم ، لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها ، حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشئ اليسير " . والحق في هذه المسألة ، كما قال العلامة محمد بخيت المطيعي في حاشيته على " نهاية السول " : 3 / 744 : قبول رواية كل من كان من أهل القبلة ، يصلي بصلاتنا ، ويؤمن بكل ما جاء به رسولنا مطلقا ، متى كان يقول بحرمة الكذب ، فإن من كان كذلك ، لا يمكن أن يبتدع بدعة إلا وهو متأول فيها ، مستند في القول بها إلى كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتأول رآه باجتهاده ، وكل مجتهد مأجور - وإن أخطأ - . نعم ، إذا كان ينكر أمرا متواترا من الشرع ، معلوما من الدين بالضرورة ، أو اعتقد عكسه ، كان كافرا قطعا ، لان ذلك ليس محلا للاجتهاد ، بل هو مكابرة فيما هو متواتر من الشريعة ، معلوم من الدين بالضرورة ، فيكون كافرا مجاهرا ، فلا يقبل مطلقا ، حرم الكذب أو لم يحرمه .